الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

270

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 116 إلى 118 ] وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 116 ) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 117 ) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 118 ) وَإِذْ قالَ اللَّهُ عطف على قوله : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ [ المائدة : 110 ] فهو ما يقوله اللّه يوم يجمع الرسل وليس ممّا قاله في الدنيا ، لأنّ عبادة عيسى حدثت بعد رفعه ، ولقوله : هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ . فقد أجمع المفسّرون على أنّ المراد به يوم القيامة . وأنّ قوله : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ قول يقوله يوم القيامة . وهذا مبدأ تقريع النصارى بعد أن فرغ من تقريع اليهود من قوله : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ [ المائدة : 110 ] إلى هنا . وتقريع النصارى هو المقصود من هذه الآيات كما تقدّم عند قوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ [ المائدة : 109 ] الآية ، فالاستفهام هنا كالاستفهام في قوله تعالى للرسل ما ذا أُجِبْتُمْ [ المائدة : 109 ] واللّه يعلم أنّ عيسى لم يقل ذلك ولكن أريد إعلان كذب من كفر من النصارى . وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ يدلّ على أنّ الاستفهام متوجّه إلى تخصيصه بالخبر دون غيره مع أنّ الخبر حاصل لا محالة . فقول قائلين : اتّخذوا عيسى وأمّه إلهين ، واقع . وإنّما ألقي الاستفهام لعيسى أهو الذي قال لهم ذلك تعريضا بالإرهاب والوعيد بتوجّه عقوبة ذلك إلى من قال هذا القول إن تنصّل منه عيسى فيعلم أحبارهم الذين اخترعوا هذا القول أنّهم المراد بذلك . والمعنى أنّه إن لم يكن هو قائل ذلك فلا عذر لمن قاله لأنّهم زعموا أنّهم يتّبعون أقوال عيسى وتعاليمه ، فلو كان هو القائل لقال : اتّخذوني وأمّي ، ولذلك جاء التعبير بهذين اللفظين في الآية . والمراد بالناس أهل دينه . وقوله : مِنْ دُونِ اللَّهِ متعلّق ب اتَّخِذُونِي ، وحرف مِنْ صلة وتوكيد . وكلمة دُونِ اسم للمكان المجاوز ، ويكثر أن يكون مكانا مجازيا مرادا به المغايرة ، فتكون بمعنى ( سوى ) . وانظر ما تقدّم آنفا عند قوله تعالى : قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً [ المائدة : 76 ] . والمعنى اتّخذوني وأمّي إلهين سوى اللّه .